تاريخ و نضال

يؤسس كل مسار تاريخي لعدد من الأحداث و الأفكار و القيم، و حينما يتعلق الأمر بمسيرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، و هي المنظمة النقابية التي حفرت اسمها و أسماء مناضليها و مناضلاتها في كل محطات تاريخ المغرب الاجتماعي و السياسي، فإن الأمر يصبح أكثر إغراء و ثراء باعتبار أن أهم اللحظات و الأحداث التي عاشتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، منذ التأسيس في 25 نونبر 1978 إلى غاية الآن، هي صورة غير رسمية لتاريخ المغرب و وثيقة تكشف عن ثلاثة حقائق من بين أخرى:

الحقيقة الأولى: إن هوية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل نابعة من حرارة التفكير و الوجدان الشعبي للمغاربة، و إن ولادتها في نهاية السبعينات هو نتيجة حتمية لتفاعلات تاريخية، و مشاعر و قيم ساهمت في رسم استراتيجية النضالية، و في تغيير العديد من المسارات الأخرى، حيث أصبحت الطبقة العاملة قوة فعلها في ميزان واقع متعدد و ملتبس، و ظلت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، باستمرار، ذلك القلب الفاعل و المتفاعل مع كل شرائح المجتمع المغربي.

الحقيقة الثانية: إن ما حققته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل و ما ستحققه، لم تحققه أية منظمة أو جمعية، بمعنى أن العديد من المكتسبات الاجتماعية و السياسية كانت مبادرات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فيها حاضرة و فاعلة و داعية، و قد قدمت لأجل ذلك تضحيات لا محدودة.

إن دور الكونفدرالية الديمقراطية للشغل كان و ما زال ممتدا في كل النسيج الاجتماعي و السياسي، و ضمن كافة الحركات حتى أصبح جزءا عضويا من الهوية، و ما تحقق من مكاسب مسّت أبسط العمال في معامل صغرى أو وحدات إنتاجية، إلى القطاع العام، إلى الحياة اليومية، هو أيضا جزء من النضال من أجل الحرية و الكرامة و القيم.

الحقيقة الثالثة: ليس في إمكان المؤرخين و المهتمين بالتاريخ الاجتماعي و السياسي، و التاريخ العام إدراك و فهم التحولات بالمغرب الحديث دون استحضار مسيرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل و المتجلية في فعلها النضالي و مواقفها الكثيرة، و التي يمكن تلخيصها في الآتي:

– طرح الإشكاليات المجتمعية الكبرى في المجالات النقابية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الدستورية مرتبطة بالتحليلات المركبة لما يشكل عوائق من قبيل مراجعة الدستور و نزاهة الانتخابات و توسيع الحريات، للمرور إلى إصلاح نظام الأجور و التعويضات و توقيف ارتفاع الأسعار و الإثراء الفاحش، و كل ما يمت بصلة إلى الفساد السياسي و الإداري و الاجتماعي و الأخلاقي.

– الدعوة و باستمرار، إلى حوار وطني و مشاورات دائمة بين الحركة النقابية من جهة، و بين الحاكمين و الفاعلين و الشركاء من جهة ثانية، من أجل شفافية الرؤية لما فيه مصلحة  و عزة الوطن، و ضمنه الشغيلة المغربية من أجل ضمان سلم اجتماعي و علاقات وطنية واضحة و عيش كريم.

– النضال من أجل إقرار الحرية للجميع، و في كل المستويات، و تحقيق الديمقراطية، وصولا إلى مجتمع حر و متحرر و ديمقراطي تسوده العدالة و الاطمئنان.

– الدعوة إلى التكتل و العمل الوحدوي المشترك على صعيد الحركة النقابية المغربية  و القوى الديمقراطية من أجل توحيد جهود الطبقة العاملة و تقوية الأداة النقابية.

– الاستحضار الدائم لقضية الوحدة الترابية و ضرورة استمرار التعبئة لمواجهة كل تحديات الخصوم مع المزيد من الحذر و التشبث بحقوقنا التاريخية المشروعة، و قضية استرجاع سبتة و مليلية و كل الجزر.

– الارتباط بالقضايا القومية العربية و التضامن مع مطالبها العادلة في مواجهة العدوان الإمبريالي، و التضامن مع الشعوب الإفريقية المضطهدة و كل الشغيلة العالمية التي تعاني القهر و الحيف.

– الدعوة إلى التحديث و العقلنة و إلى النقد الذاتي.

– المطالبة بإطلاق صراح جميع المعتقلين النقابيين و السياسيين و إرجاع المغتربين و الكشف عن مصير المختطفين و المختفين.

– الاهتمام بقضايا المرأة و الدفاع عن حقوقها و مكتسباتها و ذلك من خلال تدارس قضاياها و مطالبها المشروعة في كل الاجتماعات و المؤتمرات القطاعية و المحلية المركزية، و أيضا من خلال إشراكها في كل مواقع المسؤولية و مساهمتها الفعالة في اتخاذ القرارات.

– الاهتمام بقضايا الشباب و الدفاع عن حقه في التعليم و في التكوين و في الشغل، إلى جانب تنظيم أنشطة و فعاليات ثقافية و رياضية و غيرها لفائدته.

– الاهتمام بقضايا العمال المهاجرين المغاربة التي تزداد تعقيدا، و تحتاج إلى تكثيف الجهود الوطنية و الدبلوماسية للحفاظ على حقوقهم و كرامتهم من المد العنصري و التمييزات العرقية.

– الوفاء الخالد للخط الكفاحي و للهوية التقدمية للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، باستحضار كل مكونات الطبقة العاملة المغربية و المساندين لقضاياها العادلة. و الوفاء للعمال و الفلاحين و الطلبة، و كل شرفاء هذا الوطن، من بناة الحق و الديمقراطية و كل الشهداء و تضحياتهم التي ستظل أثرا خالدا في النفس و التاريخ.

إن كل هذا يعتبر جزء من ذاكرة جماعية، و المرآة التي لا أحد يستطيع التغيير من حقائقها و ما ينعكس عليها، و هو ثمرة نستظل بها و بأوراقها المنفتحة على القراءات و الإرواءات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى