القضايا المهيكلة للعدالة الاجتماعية

الحق في الخدمات الصحية العمومية

رؤيتنا / إن التوجهات الناظمة لجوهر الحراك الاجتماعي وعلاقته بالدولة والسياسات العمومية، يجعل المنظومة الصحية الوطنية في قلب التحولات والاكراهات والتطلعات.  ان لم نقل احدى الركائز الاستراتيجية لبناء نموذج المغرب الاجتماعي. فعلاقة المجتمع مع منظومته الصحية، وعلاقة الانسان والأسرة مع المرض والحفاظ على الصحة. تغيرت ومازالت تعرف تغيرات عميقة تجعل وستجعل من الصحة أحد أهم المرتكزات لبناء سلوكيات المواطن في المجتمع، وصياغة مواقفه وآرائه من الدولة والحكومة، من خلال تقييمه السلبي أو الإيجابي لمنظومة الصحة الوطنية كمؤسسات وكخدمات. بل تؤكد كل الدراسات الاستشرافية، إلى الأهمية المتزايدة التي أصبحت تحتلها الصحة وسياساتها ، كعامل حاسم من جهة  في المؤشرات القياسية للتنمية البشرية والتنمية المستدامة وعدالة الاستقرار الاجتماعي. لكن أيضا كعامل حاسم  ومؤثر بشكل كبير في قياس مستوى الإقصاء والتهميش والهشاشة وتوسيع دوائر الفقر والحرمان  وانتشار الأزمات والانتفاضات…

إن المرحلة الحالية، تقتضي أن تكون منظومة الصحة مع طبيعة هذا الموعد التاريخي. الذي لا يحتمل صناعة جديدة لفشل جديد، ولا تحتمل تكرار سيناريوهات برامج وسياسات أثبتت فشلها المرقم بالمؤشرات القابلة للقياس الموضوعي، بإعادة كتابتها بلغة جديدة… المرحلة تقتضي شجاعة سياسية وإرادة جماعية منظمة، لمساءلة و مراجعة وتغيير المرجعيات السياسية العميقة، لتعامل الدولة مع أزمة المنظومة الصحية الوطنية وعدم قدرتها على بلورة سياسة صحية تتوافق مع انتظارات والحاجيات الصحية للمواطنين والتطلعات المشروعة للمهنيين, تؤمن الحق في الصحة لجميع المواطنين، و تمكين البلاد والعباد من نظام صحي وطني متكافئ اجتماعيا ومتساوي و لوجيا وعادل اقتصاديا…

هدفنا / نعتقد أن السياسة الوطنية للصحة لا بد أن تنضبط لقواعد تتيح لها استقلالية أكبر وأن تبتعد بصورة حاسمة عن المشروطية المعلنة والمضمرة لسياسات وأهداف المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية والمؤسسات العالمية المانحة. لتحل محلها الملكية الوطنية للسياسة الصحية تصورا وتصميما وتخطيطا وتنفيذا. باعتبارها أمر أساسي لوضع الترتيبات المؤسساتية والتنظيمية والخدماتية لصحة مواطنة. وبالتالي لا يمكن بناء السياسة الصحية الوطنية مرة بتجريب البعد الاستشفائي ومرحلة ثانية بتجريب البعد الوقائي ومرحلة ثالثة بالحديث عن الإصلاح المالي والمؤسساتي. هذه النظرة الاختزالية و التجزيئية والرؤية التقنية والنفعية للحكومات المتعاقبة، بل استيراد الوصفات الجاهزة وفرضها على بنيات اجتماعية وذهنية، وحاجيات صحية مختلفة. هي المسؤولة سياسيا عن هذا الانهيار الأول للبرنامج الاستشفائي، والانهيار الثاني للبرنامج الوقائي والانهيار الثالث للبرنامج المالي.

تشخيصنا / فضمان حق الولوج للخدمات الصحية الأساسية، وتحقيق عدالة ترابية بين مختلف الجهات وبين المدن والقرى، أكبر التحديات التي تواجهها المنظومة الصحية، حيث انتقلت الاعتمادات المالية المخصصة لقطاع الصحة العمومية في ميزانية الدولة من 10,89 مليار درهم سنة 2011 إلى 14,28 مليار درهم سنة 2016، في محاولة لسد بعض مظاهر العجز الذي تعاني منه. المؤشرات العامة، تشير الى أن مستوى العجز والاختلالات التي تشهدها لازالت لا تسمح بالولوج المنصف للخدمات الصحية بين كل الفئات، تعلق الأمر في توزيع الموارد البشرية والبنيات التحتية بين المدن والقرى والمناطق النائية، حيث يسجل تركز أكثر من 45 % من الأطباء في محور الدار البيضاء- الرباط، مقابل 24 % فقط في المجال القروي، مما يجعل التأطير الطبي بالعالم القروي يصل إلى 5.341 نسمة للطبيب الواحد مقابل 1.434 نسمة في المجال الحضري للطبيب الواحد. كما تختلف نسبة الأطباء إلى عدد السكان وبين الجهات اختلافا يجعلها تبلغ طبيبا واحدا لكل 1.916 ساكن في الدار البيضاء، مقابل طبيب واحد لكل 5.378 ساكن في جهة سوس- ماسة- درعة، وتبلغ طبيبا واحدا لكل 8111 ساكن في الوسط الحضري مقابل طبيب واحد لكل 11.345 ساكن في الوسط القروي.

ومن بين عوامل النقص الحاد في الأطر الصحية، هجرة الأطر الطبية للعمل بالخارج، وكذلك لاستقطاب القطاع الخاص لأكثر من نصف عدد الأطباء، حيث أن من بين 17 ألف و121 طبيبا سنة 2015، فقط 8000 طبيب منهم يشتغلون في القطاع العام أي حوالي 47 %. وحسب تقديرات وزارة الصحة، فالخصاص في عدد الأطباء يبلغ 6000 طبيب، وفي المهنيين شبه الطبيين 9000. أما فيما يخص البنيات التحتية الصحية، فقد تطورت بدورها على نحو بطيء مقارنة مع الحاجيات، إذ تطورت أعداد مؤسسات القرب بمعدل سنوي بلغ 1.4 % لتصل الى 2759 مؤسسة سنة 2013، على أن هذا المجهود في تغطية التراب الوطني بالمؤسسات الصحية، لم يواكبه نفس المجهود على مستوى إعادة توزيع الأطر الطبية. أما فيما يخص شبكة المؤسسات الاستشفائية، فقد بلغ عدد الآسرة 27.706 سنة 2013 أي بنسبة سرير واحد لكل 1177 نسمة، توفرها 143 مؤسسة، إلا أن ستة جهات تشهد تركيزا ل 52 % من الطاقة الاستشفائية مقابل 39 % من الساكنة فقط، مما يبرز عمق الاختلال في توزيع الوسائل والموارد، مع كل ما ينتج عن ذلك من انعكاسات على الحق في الولوج للصحة. إلى جانب ذلك، تعاني المنظومة الصحة من غلاء أسعار الأدوية، مقارنة مع العديد من الدول المماثلة، مما يطرح مشكل سواء لأنظمة التغطية الصحية أو الفئات بدون تغطية صحية. هذا لا يمنع من تسجيل بعض التحسن النسبي في المؤشرات المتعلقة بصحة الأم والطفل، حيث انخفض معدل وفيات الأمهات بنسبة 67% بين سنة 1990 و 2010، كما انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 60% بين سنة 1999 و سنة 2011، وخفض معدل وفيات الأطفال ليصل إلى 28.8 لكل ألف ولادة حية بالنسبة للأطفال دون السنة خلال سنة 2011 مقابل 40 لكل ألف ولادة حية سنة 2004. وتبقى هذه المعدلات وطنية، ولا تسمح بقياس مستوياتها بالعالم القروي وبالقرى المنعزلة، حيث صعوبة الولوج للخدمات الصحية.

هذه المشكلات الصحية ليست أسبابا تفسيرية … بل نتائج صافية ومرقمة لمرجعيات سياسية تحكمت في توجيه سياسة برامج صحية فاشلة، أم هل نعتبر كل هذه المعطيات وغيرها، منفردة ومركبة، هي ليست أسبابا تفسيرية، نركب عليها خيارات جديدة، سيكون مآلها الفشل الجديد، بل هي نتائج صافية مرقمة وموثقة بمعطيات وطنية ودولية تجسد التدبير النشط لمرجعيات سياسية، تحكمت في تصميم برامج صحية فاشلة، حتى في تحقيق ما تعلنه هي من أهداف ونتائج مرقمة. فالوضع الصحي الذي نعايش تفاصيل أزمته المركبة هو نتيجة لسلسلة من الاستراتيجيات البرانية والمفروضة ضمن سياق وتوجهات سياسية، حكمت وتحكمت في التدمير التراكمي لبنية الاقتصاد الاجتماعي، والتوسيع التدريجي لدائرة العجز والحاجيات الاجتماعية والصحية غير الملباة. وضمن هذا الإطار، نعتقد أن السبب في تدمير المنظومة الصحية بمؤشراتها الصحية والبشرية والاجتماعية الحالية تعود بالأساس إلى التوجهات السياسية التي واكبتها ونفذتها الإدارة الصحية طيلة 50 سنة الماضية، والتي أوصلتنا إلى مرحلة يمكن توصيفها بالأزمة المركبة للمنظومة الصحية عبر مراحل تاريخية، تراكم عبرها نتائج الفشل المتكرر للسياسات والبرامج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى