القضايا المهيكلة للعدالة الاجتماعية

إعادة هيكلة النموذج الاقتصادي والاجتماعي

رؤيتنا/ الشمولية المفرطة والمفروضة لنموذج النمو، القائم على قواعد الليبرالية الجديدة المتطرفة، في بحثها الجنوني للربح المطلق، وتكريسها لاستراتيجية كونية تعتمد صناعة المال من اجل المزيد من المال. وتوظيفها لآلية حرية المنافسة الاحتكارية، والأسواق المالية المفتوحة، والترحيل المنهجي للاستثمار والوحدات الإنتاجية وتشتيتها، السبب المباشر في تحويل الدولة الى آلة لحماية المال على حساب العمل، وتفكيك أدوارها ووظائفها التوازنية والعمومية.

فإخضاع الدولة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لبرامج انسحابها التدريجي من المجال الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي. أضعف قدرتها السياسية، وإرادتها التوجيهية و الاستراتيجية، الشيء الذي مكن المال من السيطرة الكاملة على المجال الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي و الإعلامي. والتحكم في صناعة القرار السياسي

 تحويل العالم الى سوق حرة. من جهة تتنافس فيه الدول على تنويع جاذبيتها للمال، وتسهيل الاستثمار، و تقديم كل التنازلات القانونية والضرائبية والمؤسساتية والتنظيمية. ومن جهة اخرى تتنافس فيه العمالة بقوة على الشغل المتوفر، بأقل كلفة اجتماعية ممكنة. مما يوسع من دائرة نمو المال غير المنتج (المردودية المالية)، ويقلص من حجم العمل المنتج، عبر استعمال الية الترحال المكثف للأماكن الأكثر ليونة والاكثر اضرارا بمصالح وحقوق الطبقة العاملة و الاكثر تساهلا على الصعيد الاقتصادي والمالي والاجتماعي والبيئي ….

إن نظرية النمو(وليس التنمية) بسيطرة أفكارها و اطروحاتها في تنشيط وصناعة القرار السياسي للحكومات ، تثبت يوميا أنها أفكار خاطئة ، بالوقائع والأرقام . ليس فقط في الدول النامية، بل حتى في الدول المتقدمة. لأنه نمو غير عادل وغير منصف بالمؤشرات القابلة للقياس الموضوعي بين النمو الفلكي للمال والتراجع الهندسي للشغل، نحن أمام نموذج المال الذي ينتج فقط المال، ونموذج الفقر الذي ينتج فقط الفق

إن الأزمات الدورية لعقيدة الليبرالية الجديدة، ومؤسساتها المالية والتجارية الدولية، وخصوصا التداعيات الخطيرة للأزمة الاقتصادية والمالية الأخيرة. أكدت فشل توجهاتها وإجراءاتها، حتى باعتراف رؤساء الدول التي رعت وساهمت في عولمة هذه العقيدة. وفشلها يمكن مراقبته في دول المنشئ والدول الخاضعة لعقيدة الليبرالية الجديدة …

هدفنا / مراجعة عميقة للنموذج الاقتصادي والاجتماعي المعتمد على نظرية السوق المفتوحة وإعادة بناء نموذج للتنمية المستدامة يقوم على أهمية دور الدولة التدخلي. والاستثمار في الخدمات العمومية و إنعاش دور الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني والتضامني. وتطوير الاستثمار الخاص المنتج. والتركيز على البحث العلمي والتجديد والابتكار والاقتصاد المعرفي، باعتبارها عناصر تؤدي مباشرة إلى إحداث التوازن الضروري بين النمو والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية .

 و بناءا على دراسات وتوصيات مجموعة المؤسسات الوطنية “المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي”، و ” المندوبية السامية للتخطيط “، أن الرفع من نسبة النمو واستدامته أصبح يتطلب توجها نحو تنمية شاملة  يكون مكون الصناعة في الاقتصاد الوطني توجهه الاستراتيجي، و بناء سياسة وطنية لخلق مناصب الشغل  اللائق، والتركيز على التنمية المستدامة  والاقتصاد التضامني والاجتماعي واقتصاد المعرفة والتكنولوجيات الحديثة وتطوير المناخ الاجتماعي عبر مأسسة الحوار الاجتماعي الثلاثي.

تشخيصنا / خضع النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمغرب  خلال 37 السنة الاخيرة للنموذج الذي يروج له صندوق النقد الدولي، وذلك منذ تطبيقه لبرنامج التقويم الهيكلي ما بين سنة 1980 و 1990 أو ما سمي برنامج الاستقرار stabiliser الذي ألزمه بالتحرر التدريجي من مجموع النفقات والاستثمارات في مجال الخدمات العمومية  الترابية عبر آلية التدبير المفوض للوصول إلى تحقيق استقرار للتوازنات المالية العمومية، مرورا ببرنامج الخوصصة privatiser  ما بين سنة 1990 و 2000 بتفويت عدد من المؤسسات الصناعية والخدماتية والتجارية  والزراعية العمومية للقطاع الخاص المحلي والدولي. وصولا  إلى برنامج  الليبرالية libéraliser  بنهج سياسة دعم سريع  لمنطق السوق المفتوحة و الانتقال من الدولة المتدخلة إلى الدولة المتحررة من عدد من التزاماتها، من اقتصاد تلعب فيه الدولة دورها التعديلي، إلى اقتصاد السوق المفتوح.. فمنذ «سياسة التقويم الهيكلي” عرفت السياسات العمومية في مجالات الصحة والتعليم والسكن، تسجيل تراجع كبير في حجم الإنفاق العمومي. سياسة اتسمت كذلك بالحد من التوظيف في القطاع العمومي وتجميد الأجور، واعتماد سياسة خصخصة واسعة لتشجيع قيام اقتصاد السوق. مما نتج عنها مضاعفة اختلالات المنظومة التعليمية، وازدياد حدة الفقر الذي بلغ سنة 1998 ما يناهز 16.2 %، وانتقال البطالة من 9.8 % سنة 1980 إلى 19.3% سنة 1991، وسمح بتنامي سريع لدور الصفيح والسكن العشوائي حول كبريات المدن، وأثر بشكل حاد على خدمات الصحية العمومية الموجهة لأوسع شرائح الساكنة. مقابل نمو لعرض القطاع الخاص في التعليم والصحة الموجه لفئات جد محدودة من الساكنة. وهي سياسات لا زال أثرها بين إلى حدود اليوم، وتواصلت، وهو ما جعل بعض الباحثين يصفون مخطط التقويم الهيكلي وانعكاساته ب”عشرية ضائعة” على التنمية البشرية بالمغرب.

فالوضع الحالي يعرف تفكيك منظومة الادارة والمرفق العمومي وتدني مضطرد لمجمل الخدمات العمومية الأساسية. و أزمة مزمنة في منظومة التعليم العمومي؛ و عجز بين في تحقيق سياسة صحية عمومية منصفة و عادلة، فالمراهنة المفرطة على القطاع الخاص للعب دور القاطرة في التنمية و خلق مناصب الشغل بينت محدوديتها؛ و ظل جزء مهم من القطاع الخاص، مرتبط في مشاريعه بالاستثمار في قطاعات ذات المردودية السريعة و الضعيفة من حيث قيمتها، وبما يمكن أن تمنحه له الدولة من امتيازات ضريبية و عقارية وأخرى مرتبطة بمراجعة بعض مواد قانون الشغل المتعلقة خاصة بالإجراءات الحمائية للأجير و استقرار الشغل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى